الصالحي الشامي
468
سبل الهدى والرشاد
قيل : هذا اللفظ شك من الراوي . وقد روى : " إني لا أنسى ، ولكن لاسن " . وذهب ابن نافع ، وعيسى بن دينار أنه ليس بشك ، فإن معناه التقسيم ، أي أنسى أنا ، أو ينسيني الله . قال القاضي أبو الوليد الباجي : يحتمل ما قالاه أن يريد : أني أنسى في اليقظة ، وأنسى في النوم ، أو أنسى على سبيل عادة البشر من الذهول عن الشئ والسهو ، وأنسى مع إقبالي عليه وتفرغي له ، فأضاف أحد النسيانين إلى نفسه ، إذ كان له بعض السبب فيه ، ونفى الاخر عن نفسه ، إذ هو فيه كالمضطر . وذهبت طائفة من أصحاب المعاني والكلام على الحديث إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسهو في الصلاة ولا ينسى ، لان النسيان ذهول وغفلة وآفة ، قال : والنبي صلى الله عليه وسلم منزه عنها ، والسهو شغل ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يسهو في صلاته ، ويشغله عن حركات الصلاة ما في الصلاة ، شغلا بها لا غفلة عنها . واحتج بقوله في الرواية الأخرى : إني لا أنسى . وذهبت طائفة إلى منع هذا كله عنه ، وقالوا : إن سهوه عليه السلام كان عمدا وقصدا ليسن . وهذا قول مرغوب عنه ، متناقض المقاصد ، لا يحلى منه بطائل ، لأنه كيف يكون متعمدا ساهيا في حال . ولا حجة لهم في قولهم : إنه أمر بتعمد صورة النسيان ليسن ، لقوله : إني لانسى أو أنسى . وقد أثبت أحد الوصفين ، ونفى مناقضة التعمد والقصد ، وقال : إنما أنا بشر مثلكم أنسى تنسون ، [ فإذا نسيت فذكروني ] . وقد مال إلى هذا عظيم من المحققين من أئمتنا ، وهو أبو المظفر الأسفرايني ، ولم يرتضه غيره منهم ، ولا أرتضيه ، ولا حجة لهاتين الطائفتين في قوله : إني لا أنسى ، ولكن أنسى ، إذ ليس فيه نفي حكم النسيان بالجملة ، وإنما فيه نفي لفظه وكراهة لقبه ، كقوله : بئس ما لأحدكم أن يقول : نسيت آية كذا ، ولكنه نسي ، أو نفي الغفلة وقلة الاهتمام بأمر الصلاة عن قلبه ، ولكن شغل بها عنها ، ونسي بعضها ببعضها ، كما ترك الصلاة يوم الخندق حتى خرج وقتها ، وشغل بالتحرز من العدو عنها ، فشغل بطاعة عن طاعة . وقيل : إن الذي ترك يوم الخندق أربع صلوات : الظهر ، والعصر ، والمغرب ، والعشاء ، وبه احتج من ذهب إلى جواز تأخير الصلاة في الخوف ، إذا لم يتمكن من أدائها إلى وقت الامن ، وهو مذهب الشاميين .